أبو الليث السمرقندي
51
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
إقامة لكم . ومن قرأ بالنصب ، فهو بالمكان أي : لامكان لكم تقومون فيه ، والجمع المقامات . وكان أبو عبيدة يقرأ بالنصب ، لأنه يحتمل المقام والمكان جميعا . يعني : أن المنافقين قالوا : خوفا ورعبا منهم : لا مقام لكم عند القتال . فَارْجِعُوا يعني : فانصرفوا إلى المدينة وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ وهم بنو حارثة وبنو سلمة ، وذلك أن بيوتهم كانت من ناحية المدينة يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني : ضائعة ، نخشى عليها السراق . ويقال : معناه أن بيوتنا مما يلي العدو ، وإنا لا نأمن على أهالينا . وقال القتبي : أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ . وكان الرجال سترا وحفظا للبيوت . فقالوا : إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعني : خالية والعرب تقول : أعور منزلك أي : إذا سقط جداره . يقول اللّه تعالى : وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ لأن اللّه عز وجل يحفظها ، يعني : وما هي بخالية إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً أي : ما يريدون إلا فرارا من القتال . ثم قال : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها يعني : لو دخل العسكر من نواحي المدينة ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ يعني : دعوهم إلى الشرك لَآتَوْها قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر : لأتوها بالهمزة بغير مد . وقرأ الباقون : بالهمز والمد . فمن قرأ بالمد لَآتَوْها يعني : لأعطوها . ومن قرأ بغير مد معناه صاروا إليها وجاءوها وكلاهما يرجع إلى معنى واحد يعني : لو دعوا إلى الشرك لأجابوا سريعا . وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً أي : وما تحسبوا بالشرك إلا قليلا . يعني : يجيبوا سريعا . ويقال : لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلا . ثم قال عز وجل : وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ يعني : من قبل قتال الخندق حين كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمكة ، خرج سبعون رجلا من المدينة إلى مكة . فخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة إلى السبعين ، فبايعهم وبايعوه . فقالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : « أشترط لربّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا منعتم به أنفسكم وأولادكم » . فقالوا : قد فعلنا ذلك . فما لنا ؟ قال - عليه السلام - : « لكم النصرة في الدنيا ، والجنة في الآخرة » . قالوا : قد فعلنا ذلك ، فذلك قوله : وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ منهزمين وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا يعني : يسأل في الآخرة من ينقض العهد . قوله عز وجل : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي : لا تؤجلون إلا يسيرا ، لأن الدنيا كلها قليلة . ثم قال عز وجل : قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ يعني : يمنعكم من قضاء اللّه وعذابه إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً يعني : القتل أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً أي : عافية . ويقال : سُوءاً يعني : الهزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً يعني :